كَلِمُنَاKALIMONA
العودة إلى المدونة
معلومات مفيدة

تاريخ الكلمات المتقاطعة: من نيويورك إلى العالم العربي

كيف وُلد لغز الكلمات المتقاطعة في صحيفة أمريكية عام 1913، وتحوّل خلال قرن كامل إلى ظاهرة عالمية وصلت إلى الصحافة العربية؟

فريق كَلِمُنَا3 دقائق قراءة28 سبتمبر 2026

1البداية: نيويورك، 21 ديسمبر 1913

في عدد عيد الميلاد من صحيفة "نيويورك وورلد" لعام 1913، نشر محرر صحفي بريطاني الأصل يُدعى آرثر وين لغزاً صغيراً على شكل معيّن، بلا مربعات سوداء، أطلق عليه اسم "word-cross puzzle". كان يبحث عن لعبة جديدة لملحق "الألغاز" الأسبوعي، فابتكر شبكة مرقّمة تُملأ فيها الإجابات أفقياً وعمودياً بحيث تتقاطع الحروف المشتركة. لم يكن وين يتخيل أنه يضع اللبنة الأولى للعبة ستُترجم يوماً إلى عشرات اللغات، منها العربية.

بعد بضعة أعداد، انقلب اسم اللعبة سهواً من "word-cross" إلى "cross-word" في إحدى طبعات الصحيفة، وبقي الاسم الجديد عالقاً حتى اليوم.

2من هامش الصحيفة إلى ظاهرة عالمية

ظلت الكلمات المتقاطعة تسلية هامشية لعقد كامل، إلى أن قرر ناشران شابّان، ريتشارد سيمون وماكس شوستر، إصدار أول كتاب مخصص للعبة عام 1924 — وكانت تلك أول إصدارات دار "سايمون آند شوستر" التي لا تزال قائمة إلى اليوم. لضمان النجاح، أرفقا مع كل نسخة قلم رصاص صغيراً معلّقاً بخيط، في حيلة تسويقية بسيطة لكنها فعّالة: نفدت الطبعة الأولى خلال أسابيع، وتحوّلت الكلمات المتقاطعة بين عشية وضحاها إلى "موضة" أمريكية حقيقية، ظهرت آثارها حتى في أزياء تلك الحقبة وأغانيها.

المفارقة أن صحيفة "التايمز" اللندنية العريقة رفضت نشر الكلمات المتقاطعة لسنوات طويلة، ووصفها محرروها بأنها "إهدار للوقت لا يليق بقرّاء جادّين" — قبل أن يرضخوا أخيراً لإلحاح القراء وينشروا أول لغز فيها عام 1930.

3حين تحوّل اللغز إلى قضية أمن قومي

من أطرف حكايات تاريخ اللعبة ما جرى في بريطانيا قبل أسابيع من إنزال النورماندي عام 1944: لاحظت المخابرات البريطانية أن إجابات لغز الكلمات المتقاطعة اليومي في صحيفة "ديلي تلغراف" تضمّنت، خلال أسابيع متتالية، الأسماء الرمزية السرّية للعملية بأكملها — "أوتاه"، "أوماها"، "أوفرلورد"، "نبتون". استُدعي واضع اللغز، وهو مدير مدرسة يُدعى ليونارد داو، للتحقيق معه بشبهة تسريب معلومات عسكرية. تبيّن لاحقاً أن الأمر كان محض صدفة: كان داو يطلب من تلاميذه ملء خانات اللغز بأي كلمات يعرفونها، وكان بعضهم يتسكع قرب معسكرات جنود يستعدون للعملية، فالتقطوا تلك الأسماء دون أن يدركوا خطورتها. وقبلها بقليل، كانت بريطانيا نفسها قد استعانت بحلّالي الكلمات المتقاطعة المهرة لتجنيد فك رموز في مركز "بلتشلي بارك"، معتبرةً أن من يجيد حلّ الألغاز اللغوية المعقدة يصلح لفك الشفرات المعقدة أيضاً.

4الكلمات المتقاطعة في الصحافة العربية

انتقلت اللعبة إلى القراء العرب عبر الصحف والمجلات الأسبوعية في القاهرة وبيروت منذ منتصف القرن العشرين، حيث خصّصت لها زوايا ثابتة إلى جانب الكاريكاتير والأبراج، واعتمد واضعوها على مفردات من التراث والثقافة العامة والحياة اليومية. ومع دخول العصر الرقمي، انتقلت اللعبة من عمود صحفي مطبوع إلى تطبيقات ومواقع تفاعلية، محافظة على جوهرها كما وضعه آرثر وين قبل أكثر من مئة عام: شبكة من الحروف، وتقاطعات تكافئ الدقة والمعرفة معاً.

5لماذا لا تزال هذه اللعبة حيّة بعد قرن كامل؟

رغم كل التطبيقات والألعاب الرقمية التي ظهرت منذ ذلك الحين، ما زالت الكلمات المتقاطعة تحتفظ بمكانتها لأنها تجمع بين متعتين نادراً ما تجتمعان: تحدٍّ ذهني حقيقي، ومتعة اكتشاف تدريجي — كل حرف تكتبه يفتح لك تلميحاً جديداً في الكلمة المجاورة. وهذا بالضبط ما نحاول أن نقدّمه في "كَلِمُنَا": ألغازاً تحترم ذكاء اللاعب، وتحتفي باللغة العربية بكل ثرائها.

المعرفة تبدأ بكلمة...

استكشف ما جاء في مقالاتنا، ثم جرّبه في ألغاز كَلِمُنَا!

تصفح جميع الألغاز ←
تاريخ الكلمات المتقاطعة: من نيويورك إلى العالم العربي | كَلِمُنَا